طارق السعدي

دُخان

أضيف بتاريخ 08/08/2018
مُعجم ذِهني

لم يكن قصدي في البداية يتجاوز الثرثرة حول سلوكيات المدخنين بالسهرات العامة لأم كلثوم، هذا الموضوع كان دوما مثار اهتمامي. بسهراتها يمكنك الاستمتاع بماكيت اجتماعية لذيذة فالتدخين العمومي وقتها ربما كان يعكس اكثر من عمليات نفث زائغة للدخان على الهواء.



نعم "الدخان" هكذا كان يفضل والدي وأعمامي وأصدقاؤهم، تسميته، ف"السيجارة" نعت لاحق على مافهمت. وكأن التدخين وقتها لم يكن عنصره الفاعل الوحيد غير الدخان. بخور لائكي. احتراق لايجوز الا بالعوالم غير المقدسة.

في سهرات أم كلثوم، كان يبدو من خلال المتابعة التلفزيونية، كأن دخان التبغ المحترق المنفوث لارائحة كريهة له، بل ربما كانت الرائحة سخية، فلا أحد كان يلتفت من الجمهور الراقي في الصفوف الأمامية لإبراز ملاحظات مشمئزة كما هو الحال اليوم من نوع : يا أخي،  الرائحة لاتليق بالمقام!




لا أبدا وحتى الراقيات من النساء بجمالهن المصري وجواهرهن البارزة لايبدو عليهن أي اعتراض، ولا حركة اشمئزاز، بل ليس موضوعا على الاطلاق، واضح ان للتدخين اثناء عرض ام كلثوم، وضع خاص. أو على الأقل كما يبدو لي من خلال مشاهدة اكثر من عرض جماهيري للست.

أكيد للسيجارة والدخان دوما دور أساس، لكن ليس وقتها كما أتخيل خطأ الآن. كانوا يتابعون الاستمتاع بالست عبر كل الحواس، سمعا وبصرا وو.. وكم سأكون سعيدا لو عثرت على دراسة انثروبولوجية تخص الموضوع. تهمني جدا هذه التفيتفات. من خلالها يمكن العبور بالتحليل لأماكن أكثر عمقا قد لاتُصدق وتربح الكثير من الوقت.



في الواقع، لم يكن اسبوعي هذا مخصصا لموضوع التدخين بسهرات الست، لكن شاءت الصدف، دون أي تخطيط واع مسبق مني، أن أشاهد في نفس الأسبوع، برنامجا مطولا من أجزاء خمسة لرحلة أرخبيل كوبا من استعمار ودكتاتورية وثورات وثورات مضادة والكوماندانتي كاسترو، مرورا بمغامرة التشي ارنيستو غيفارا الذي قاد حملات تمرد فاشلة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومن ثم بوليفيا حيث قتل في عام 1967. وتعريجا على الأخ الأصغر كاسترو الذي لانزال نستمتع بمحياه المبتسم على التلفزيونات من حين لآخر (طبعا لايزال خلف الستار الحارس الأمين لإرث آلِ كاسترو).

وباختصار لايليق بمقام الثورات، فهي أجواء الحرب الباردة والساخنة، والمخابرات الامريكية والسوفياتية والكوبية التي تعج معها وسط الدخان. دخان كثيف للغاية لسيجار الهافانا، وما أدراك ما سطوة أسطورته بتلويناته العديدة فهو مبهر، مفلفل، حلو، حاد، محروق، أخضر، أرضي، حشبي، كلكلو، كستنائي، مشوي، معتق، بذري، كريمي، أرزي، بلوطي، معلك، مفكه وجلدي وسياسي من درجة فارس.

كم تسهل عملية مراقبة الدخان المتناثر من افواه الثوار والحاكمين والامبرياليين ومعها هشاشة الكلمات وتبعثرها مع أول ريح. كم هو مفيد الجمع تحليليا بين مضمون الكلمات ومنظر الدخان المتطاير الشظايا. أُريدَ للكلمات في الأصل ان تكون قوية وخالدة، إذ الفاعلون وقتها كانت لهم علاقة جسدية قوية مع التاريخ واللحظات، خصوصا مع بدايات عهدهم بالتلفزيون والراديو. كان لكل شيء يتحرك أدوار متعددة وعلى رأسها السياسي والبروباغندا، ودخان السيجار طبعا.





أما موعدي الثاني غير المبرمج فكان مع فلم ونستون تشرشل، يحتل فيه الدخان ولأسباب موضوعية، المركز الأول والآخر ، ووُظِّف بشكل فني فريد من خلال لقطات جمالية في غاية الروعة، لكن بدون أدنى إضافة للموضوع : الاستعمار، العدوان، العنف العسكري، مقاومة هتلر، النقاشات العصيبة مع العسكريين، علاقته بزوجته وسكرتيرته .. الخ

لم يترك دخان سيجار تشرشل مكانا في الفيلم إلا وغزاه بمعنى او بدون معنى. 

مَهْلكة كبرى دخان تشرشل بالفيلم حتى لو كان توثيقه حرفيا. 

لكن لا أظن فالدخان لعب أدوارا أخرى مبالغ فيها بالفيلم لرفع الحرج عن محتوى الشريط الذي كان يفتقد السحر كالذي يحتويه عادة هذا النوع من الافلام (أفلام كغاندي، وموسى والمسيح وبوذا وعمر المختار، وهتلر، وغيرها..)، كانت الفراغات كثيرة لكن الدخان كان بالموعد.










الموعد الثالث غير المبرمج كان بحوار مطول مع فيلسوفة السياسة حنا أرندت، وأتحدى ان تتوافق آراء واستنتاجات من يشاهد الحوار ومن يستمع اليه، وشخصيا اختبرت الاثنين، والاختلافات ثابتة.

أرندت تتنفس التبغ، وتقذف سحر التحاليل وقوة الاثباتات وثورية الطروحات من فم قلق مهترئ. لكنها والدخان شيء واحد، عكس تشرشل بالفيلم حيث كان الدخان يلعب دورا ما.

أرندت عندما تدخن فهي تفكر، ويبدو دخانها امتدادا حرفيا للكلمات ومخارج الحروف. 

أرندت تموت ببطء وصدق أمام المستمع مباشرة على الهواء، لأنها حلاجية خالصة. عكس الثوار والممثلين، فدخانهم يشعرك بانهم مسكونون بخوف كتوم (أقله الكذب) يحاولون حجبه وراء دخان سميك، أما دخان أرندت فشفاف وكأنه دخانها.









انتهى الاسبوع ببرنامج توثيقي حول الحشيش وسؤاله الوجودي : هل تجب شرعنة استهلاكه ام لا؟

عقلي يقول لي، آه لو لم يكن ينتج عنه إدمان ودخان!