طارق السعدي

المُتطاوِسون

أضيف بتاريخ 01/23/2019
طاء سين


 في علاقاتهم مع الآخرين، يرتمون بشكل غير عادي -لكن بِتفانٍ- على أي شيء يُمكِّنهم من الإشارة إلى أنفسهم، لديهم حاجة كبيرة -تفوق العادي- لأن يكونوا محبوبين من قبل الآخرين.

تستحيل حياتهم في غياب الصورة والصوت والحرف لتوثق محبة الناس لهم وحبهم للعالم، لن تشفي غليلهم صورة او كلمة مديح واحدة في صحراء وحدتهم، بل يحتاجون طوفانا من الاعترافات بفضلهم على الناس والعالم، لايكات ولايكات على "مدار الساعة".

لو شاءت الأقدار أن تلتقي أحدهم وسط العموم فأوصيك أن لاتثني عليه او عليهم بشكل عادي كما تفعل عادة مع حارس مرأب السيارات أو جار قديم أو صديق صديق..، إحذر! فلاشيء قد يؤذيهم -وستصلك شرارته المحمرة لا محالة- من أن تعتبرهم كبقية الخلق دونما تمييز خاص وانفرادي. فهذا الأمر ذو أولوية قصوى بالنسبة إليهم.

فعندما لايمدحهم أحد بسبب الانشغالات الحياتية، يعلنونها ثورة "تكريمات" وتوقيعات و"اعترافات" وإهداءات لأرواح الموتى واحتفالات بالمنسي وتلقيبات خيالية ومعلقات نووية في مدح من يعتقدون كليا لكسب آلاف من "الشكريات" و"التبارك الله عليك" وما شابه وهو كثير.  مما سيُفَعِّل معه تلقائيا خاصية العود الأبدي للمديح الذاتي كما هو مبرمج من البدء. فلا شيء يتبخر في مقامهم إذ كل الطرق تؤدي لروما نرجسيتهم.

وللغرض، لديهم تنظيرات كاملة في معنى الصداقة واهميتها وعاجليتها ومعجمها وو..، معتبرين "الصداقة" اول واجب اخلاقي قدسي وجب على المرء التشبث به، ففضاء الصداقة هو الأرحب لأمثالهم لممارسة رذيلتهم الكبرى: المديح!

حياتهم العاطفية سطحية. لديهم القليل من التواصل مع مشاعر الآخرين، ورغم مظاهر الانشراح المجتمعي المعروضة من قبلهم فالحياة تجلب لهم القليل من المتعة بعيدا عن الثناء الذي يتلقونه أو تخيلاتهم عن العظمة "الفنية" و"الثقافية". 

هم قلقون وينشغلون بمجرد أن تبتعد الأضواء عنهم ولا يأتي مصدر جديد لإطعام احترامهم لذاتهم. إنهم يحسدون الآخرين، ويميلون إلى إضفاء الكمال على الشخص الذي يتوقعون منه منافع نرجسية ويقللون من قيمة المعاملة التي لا يتوقعونها.

وهم أيضا، مجتهدون، حاذقون، حركيون، جمعويون، حلقاويون، انتفاعيون، مرتعبون من أن ينسوا، ترهقهم ذاتهم أيما إرهاق من كمد تدليك غرورها. 

يامغيث!