طارق السعدي

قسيس

مُعجم ذِهني


لا أعرف إن كُنتُم تذكرون خبر انتحار القسيس وأستاذ اللاهوت الأمريكي، جون جيبسون، بعد ستة أيام من الكشف عن القائمة التي احتوت على أسماء الملايين من مستخدمي موقع الخيانة الزوجية "آشلي ماديسون"والتي كانت تشمل اسمه. كان جون جيبسون يُدرس في كلية لاهوت معمدانية. لكنه "لم يستطع تحمل العار"، كما قالت زوجته للإعلام.
"عار" تسبب في الكشف عنه موقع الإنترنت المذكور والذي تم اختراقه في يوليوز الماضي من قبل قراصة نت، افرجوا بعد شهر من حادث القرصنة عن المعلومات الشخصية لملايين المستخدمين، وبالتالي خلقواملايين الحالات الشبيهة بقصة القسيس الحزينة.
مايثير انتباهي وأحيانا اندهاشي في مثل هذه القصص بالتحديد هو الطريقة التي ينشئ بها العالم اليوم أخلاقه الجديدة، فموقع "الخيانة الزوجية" هذَا استطاع ان يقنع ملايين من منخرطيه المشتركين في خدماته المؤدىعنها - كيف كان سيكون الحال لو كانت خدماته مجانية - بعلمانية ونفعية السلوك الذي سيقدمون عليه من خلال خدماته، فالخيانة الزوجية ليست هي الزنا الاخلاقي الديني. وحتى بعد اختراق الموقع ونشر معلوماتمشتركيه لم نسمع عن اعتذار كاثوليكي أو شعور بالذنب من "العار" الذي لحق بالملايين الذين تشبه قصتهم قصة القس المنتحر، بل ما قرأناه من حوارات لصاحب الموقع كانت تصب في المشي قدما والظهورمبتسما على الصور المرفقة، انظر صورته هنا مع هذه المادة، انه سلوك تسويقي قوي بامتياز ويتعاكس في الصميم مع أخلاقيات الماضي. فالشعور بالذنب والاعتذار الكاثوليكي اخلاق من زمن ولى.
اما الأخلاق الجديدة التي يفرضها المجال الافتراضي، أليس مكان ارتكاب الجريمة هو النت؟، فتتجاوز الإحساس بالذنب إلى تسويق الوضع كيفما كان الحال. وفي حالة "فضيحة" هذا الموقع فبعد ان دفع بمشتركيهالى خيانة زوجاتهم بروح براغماتية. دعا العالم ككل بعد الاختراق الى تقديم أية معلومات يملكونها عن القراصنة مقابل مبلغ 500 الف دولار! فالزنا والوشاية، من الأخلاق المهترئة للماضي.
الملاحظة الثانية التي استقيتها من درس "اشلي ماديسون" هي قدرة العالم اليوم على تفجير القصص على نطاق واسع وبأكبر صخب جهنمي ممكن ونسيانها بأسرع وقت أيضا بعد إحداث أكبر ضرر ممكن. للانتقاللجريمة و صخب و"أخلاق" موالية.