طارق السعدي

حَوَل

مُعجم ذِهني


الحَوَل أو السترابيزم، عيب بصري يجعل العينين أو إحداهما في وضع غير متوازن.

وضعية صحية ووظيفية تمكن صاحبها من تغطية مختلفة و أوسع للمرئي أي لجزء هام من العالم.

شرح طبيب العيون أخيراً بأن عيني اليسرى المعنية بالحَوَل الجزئي والضعف الشديد على مستوى الرؤية - لا أكاد أرى من خلالها - أفضل حالا من عيني اليمنى التي أهش بها على المرئيات !

لكن عيني اليسرى الأفضل نظريا لها إشكال شخصي ومباشر مع الدماغ حيث لايتواصلان كما اتفق منذ بداية الخلق.

هذا "العيب" الحاصل بالعين غالبا ما ينتج عنه خوف (اعتبرته قطعا ولسنين طويلة رفضا لي والعالم! هكذا )  لكن الأقرب لبؤبؤ عين الحكمة، أن الحَوَل يصيب جوهر القلب، بكبيرة الخوف. الخوف من الاستمتاع بوجهي بشكل كامل، الخوف من النظر لصورتي وهي تحملق مباشرة في عين المُصورة، رباه! لست أنا، وحقك ! يصرخ لسان الحال المُرتعِب.

الخوف من أن أوثق بهذه الطريقة وتلك العين والنظارات السميكة الزجاج. الملل من أن يلتفت مخاطبي ورائه ظانا أنني أنظر لآخر خلفه، اعتمادا منه على رواية عيني اليسرى الرافضة لكل تعاون وتنسيق كيفما كان.

هذا الحَوَل المبارك سيرمز أيضا للصراع الداخلي الذي دُشِّن وأنا في عامي الأول حياة. وِفق الروايات، فاني أصبت بعاصفة من الحمى الشديدة (نتيجة بوحمرون، قيل لي) كادت أن تقضي على بصري كلية، حيث لم يعد يظهر الا بياض العين، إلا أن المفاوضات الوجودية توصلت لحل وسط يقضي بالإبقاء على بعض النور بعيناي، مع محافظة القائمين على رعاية الجنس البشري بحقهم في إبراز بعض من جوانب الصراع الناشئ للتو بداخل جسد هذا البيبي الوديع. تأصيلا لسنة الانسجام والشفافية في الكون. وهو ما أمٌَنت عليه طبعا ولم أتجاوز عامي الأول.

فمنذ اللحظات الأولى للوعي الطفولي، أي مع ما يوافق بداية مسلسل استعمالي للنظارات الطبية (وعمري أربع سنوات)، انطلقت مشاريعي الموازية في معاكسة محيطي والتعارض معه، ليس بوصفي ثوريا سابقا زمانه، وإنما قانون الأضداد والهوامش. وهو ما سيوثقه جسدي مباشرة عبر  سلسلة من الآهات التضامنية مع حَوَلي الذي بدأ مع الأيام يتفرغ لمذكراته مفسحا المجال لتعبيرات جديدة ومتنوعة : الشقيقة اليومية، الوجع البطني، التقيئ لأي سبب، اشمئزاز من عشرات الأكلات والعادات خاصة منها التي تحمل رموزا ثقافية قوية : الكسكس، الشاي على الطريقة المراكشية، الأرز، الفقاص، التقلية، الحناء، الخجل المفرط، الانزواء،.. (وهو تخصص هذه المدونة بالذات حيث ستتاح فرص كثيرة أكيد للعودة لهذه التعبيرات، أعِد بذلك).

ولتكن بداياتي مع المقربين فهم أولى، كنت أطفو برأس أنفاسي على سطح ورطتي الداخلية ساعيا بكل ألم لإنشاء فضاء آخر لي، مختلف كليا مع محيطي الذي أجهل ماهيته ولا أعرف عنه غير أمراض وتعبيرات سالفة. كنت أسعى لتحرير نفسي من قيود فأضيف إليها أخرى دون قصد طبعا، وأرغب في تحريري من تأثير والدي فأجدني مع الأيام توأمه !! وأي توأم، فهاهو الآخر مثلي وكأنه ولد من بعدي، صاحب نظارات طبية ويجد صعوبة كبيرة في الانسجام مع محيطه ويعيش على هامش أحلامه مع الشعر الأندلسي وهامات ماض، والأنكى أنه يخاف من مخلوقاته ويصنع عوالم متعددة للاحتماء بها من تلك التي لم يحقق فعلا ليعيش ويغادر جسده وهو مسكون بأشباح حالت بينه والسكينة.كأني تماما.

فما أشبههه بي حتى لا أقول العكس



أنا أصبت بحَول نتيجة حمى طفولية قوية وهو أيضا عانت عينه وهو طفل عندما أصيب بحجر طائش مباشر على إحدى عينيه، فلبس نظارات طبية وصار رجل تدريس وكتب وقرآن (لم يكن رجل فقه وتشريع إطلاقا. إنما كان يحب القران)، رغم انه كان يحلم بأن يصير محاميا (درس لسنوات القانون ولم يكمل بسبب إضرابات الطلبة السياسية) ربما ادرك لاحقا خوفه وفهم أن القانون لن يحميه من خوفه المتأصل، فقال سأكتفي بهذا القدر : نظارات، تدريس، قرآن، انزواء بالدويرية، والقراءة ليل نهار مابين خوف وخوف، أناقة خارجية، والانتظار.

انتظار ماذا ؟

ربما أحد الأولاد قد يحقق المُراد.

مُراد من ؟ ومُرادهم ؟

انسجاما مع الطبيعة (من الكلمات الأكثر رواجا عند والدي)، كانت عيناي والعضلات المحيطة بها في حالة صدمة مستمرة مما يمكن رؤيته بشكل عام وفِي محيطي بشكل خاص. وللأمانة فعيناي لم تكونا تعبران على امتعاضهما مما أشاهده خارجيا فقط بل داخليا أيضا.

وصرت بشكل تلقائي أُبحر في عمليات بحث متواصلة عن عالم مثالي، شرطي الأساسي أن يكون أبعد ما يكون عن الواقع. وأعلنت بشكل سري بيني وبيني كوجيطو المرحلة : أنا أرفض أن أكون مثل... وأنا أزدري نفسي والآخرين، محترفا تركيب الملصقات التعريفية بالناس والعالم، وهذا يجعل علاقتي تسوء جدا مع الآخر. فكان لها ذلك.

وكان علي أيضا وسط هذه القيامة أن أتحمّل ثقل جثتي، مخفيا كل مظاهر تعفنها، مُجَمِّلا لها بمساحيق تخفي مظاهر معاناتي الداخلية عن الناس عديمي القدرة على التأمل، على أقل تقدير.

أخفيت ما استطعت من النٌُدوب حتى أواصل العيش، فنجحت بشكل كبير في ذلك، وسط تصفيقات حارة معلنة خرابي القريب. الأمر صعب للغاية!

لكن، ولأصحاب النهايات السعيدة، فمن حسنات الحول، أذكر واحدة قوية، فالعين تستغرق وقتا أطول للحركة وبالتالي للرؤية / الرؤيا، بل كثيرا ما أباغثها بعيني اليمنى (شبه السليمة) على المرآة وهي لاتزال تنظر أي في طور فضولها، أمر في غاية اللطف ودائما ما أشعر بعميق التعاطف معها كلما اقتحمت عليها خلوتها وهي التي تأخذ وقتها في كل حين.

لماذا أهتم بها وهي التي كانت وراء الخراب؟! ولماذا هذا الاعتراف المفاجئ بجمالها؟ هذه عينة من أخر الأسئلة التي يمكنني الإجابة عنها، ما يمكنني فعله هو الاستمرار في طرح المزيد من الأسئلة : هل هو جمال عيني اليسرى أم جمالي الخاص ؟ هل من مشاعر   أخرى بداخلي أجهلها ؟ لم هذا الصوت الداخلي تعلوه نبرة غريبة كأنها الصدق؟ كأنها حقيقة، كأنه صوتي الداخلي يصيح وضوحا من عمق عيني اليسرى :


آن الأوان لكي تتعلم مثلي تقدير الأشياء مِستر طروق !